أبو علي سينا
406
القانون في الطب ( طبع بيروت )
من غير احتياج إلى كثير تغيير ، ولذلك يؤدي المني منه إليه . وعند جالينوس والأطباء أن للذكر والأنثى جميعاً زرعاً يقال عليه اسم المني فيهما ، لا باشتراك الآسم ، بل بالتواطؤ ، أو في كل واحد من الزرعين قوة التصوير والتصور معاً ، لكن زرع الذكر أقوى في القوة التي منها مبدأ التصوير بإذن الله تعالى ، وزرع الأنثى أكثر في القوة التي عنها مبدأ التصور وأن مني الذكر يندفق في قرن الرحم ، فيبلغه فم الرحم بجذب شديد ، وأن مني الأنثى يندفق من داخل رحمها من أوعية ، وعروق إلى موضع الحبل . وأما العلماء الحكماء ، فإذا حصل مذهبهم ، كان محصوله أن مني الذكر فيه مبدأ التصرير ، وأن مني الأنثى فيه مبدأ التصور في الأمر الخاص به . فأما القوة المصورة في مني الذكر ، فتنزع في التصوير إلى شبه ما انفصلت عنه ، إلا أن يكون عائق ومنازع ، والقوة المتصوّرة في مني الأنثى تنزع في قبول الصورة إلى أن تقبلها على شبه بما انفصلت عنه وأن اسم المني إذا قيل عليهما ، كان بإشتراك الاسم ، إلا أن يتحمّل معنى جامع ، ويسمى له الشيء منياً . وأما في المعنى الذي يسمى به دفق الرجل منياً ، فليس دفق الأنثى منياً . وبالحقيقة فإن مني الرجل حار نضيج ثخين ، ومني المرأة من جنس دم الطمث نضيج يسيراً ، واستحال قليلًا ، ولم يبعد عن الدموية بعد مني الرجل ، فلذلك يسميه الفيلسوف ، المتقدم طمثاً . ويقولون أن مني الذكر إذا خالط فعل بقوته ، ولم يكن لجرميته كبير مدخل : في تقويم جرمية بدن المولود ، فإن ذلك من مني الأنثى ، ومن دم الطمث ، بل أكثر عنائه في جرمية روح المولود ، وإنما هو كالأنفحة الفاعلة في اللبن . وأما مني الأنثى ، فهو الأس لجرمية بدن المولود ، وكل واحد منهما يغزره ما يولد دماً حاراً ، رطباً ، روحياً . وأما معرفة صحة أحد المذهبين ، فهو إلى العالم الطبيعي ، ولا يضر الطبيب الجهل به . وقد شرحنا الحال فيه في كتبنا الأصلية . وأبقراط يقول ما معناه ، أن جمهور مادة المني هو من الدماغ ، وأنه ينزل في العرقين اللذين خلف الأذنين ، ولذلك يقطع فصدهما النسل ، ويورث ، العقر ، ويكون دمه لبنًا ، ووصلا بالنخاع لئلا يبعدا من الدماغ ، وما يشبهه مسافة طويلة ، فيتغير مزاج ذلك الدم ، ويستحيل ، بل يصبان إلى النخاع ، ثم إلى الكلية ، ثم إلى العروق التي تأتي الأنثيين . ولم يعرف جالينوس ، هل يورث قطع هذين العرقين العقر أم لا ، وأنا أرى أن المني ليس يجب أن يكون من الدماغ وحده ، وإن كانت خميرته من الدماغ ، وصحّ ما يقوله أبقراط من أمر العرقين ، بل يجب أن يكون له من كل عضو رئيس عين ، وأن تكون الأعضاء الآخرى ترشح أيضاً إلى هذه الأصول ، وبذلك يكون الشبه ، ولذلك يتولد من العضو الناقص عضو ناقص ، وأن ذلك لا يكون ما لم تتسع العروق بالإدراك ، ولم تنهض الشهوة البالغة بالنضج التام ، والمني ربما تدفعه ريح تخالطه ، ولا بد أن يتقدم خروجه خروجها . فصل في دلائل أمزجة أعضاء المني الطبيعية علامات المزاج الحار ، ظهور العروق في الذكر ، والصفن ، وغلظها ، وخشونتها ، وسرعة نبات